الشيخ الطبرسي
122
تفسير مجمع البيان
الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم ) أي : فيقال لهم : أكفرتم ، ولا يجوز أن يكون الذين بدلا من قوله ( وآخرون مرجون ) لأن المرجئين لأمر الله غير الذين اتخذوا مسجدا ضرارا ، فلا يجوز أن يبدلوا منهم . ومن قرأ ( أسس بنيانه ) : بنى الفعل للفاعل كما أضاف البنيان إليه في قوله ( بنيانه ) فالمصدر مضاف إلى الفاعل ، والباني والمؤسس واحد . ومن بنى الفعل للمفعول به ، لم يبعد أن يكون في المعنى كالأول ، لأنه إذا أسس بنيانه فيولي ذلك غيره بأمره كان كبنائه هو له . فأما من قرأ : ( أسس بنيانه ) بالرفع في الموضعين ، وأساس بنيانه بالإضافة ، فإنهما بمعنى واحد ، وجمع الأس : أساس ، كقفل وأقفال ، وجمع الأساس : آساس وأسس . وأما الجرف : فالأصل فيه ضم العين ، والإسكان تخفيف ، ومثله الشغل والشغل ، والطنب والطنب . ومن قرأ : ( إلا أن تقطع قلوبهم ) : فمعناه تبلى وتتقطع بالبلى ، أي : لا تثلج قلوبهم بالإيمان أبدا ( 1 ) . ومن قرأ ( تقطع ) : بضم التاء ، فهو في المعنى مثل لأول ، إلا أن الفعل أضيف إلى القطع المبلي للقلوب بالموت . وفي الأول أسند إلى القلوب ، لما كانت هي البالية ، وهذا مثل مات زيد ، وسقط الحائط ، ونحو ذلك ، مما أسند فيه الفعل إلى من حدث فيه ، وإن لم يكن منه وتقطع ، يسند الفعل فيه إلى المقطع المبلى ، وإن لم يذكر في اللفظ ، فأسند الفعل الذي هو لغير القلوب في الحقيقة إلى القلوب . ومن قرأ ( إلى أن تقطع ) : فإنه جعله على الغاية ، وزعموا أن في حرف إلى حتى الممات ، وهذا يدل على أنهم يموتون على نفاقهم ، فإذا ماتوا عرفوا بالموت ما كانوا تركوه من الإيمان ، وأخذوا به من الكفر . اللغة : الضرار : هو طلب الضرر ومحاولته ، كما أن الشقاق محاولة ما يشق ، يقال : ضاره مضارة وضرار . والإرصاد : الارتقاب ، تقول رصده يرصده رصدا ، وأرصد له إرصادا . قال الكسائي : رصدته : رقبته ، وأرصدته : أعددته . والبنيان : مصدر . قال أبو علي : وهو جمع على حد شعيرة وشعير ، لأنهم قالوا بنيانة في الواحد ، قال أوس : كبنيانة القري موضع رحلها ، * وآثار نسعيها من الدف أبلق ( 2 )
--> ( 1 ) ثلجت نفسه بالشئ : اطمأنت . ( 2 ) القرى : مجرى الماء . والنسع : حبل عريض طويل تشد به الرحال . والدف : الجنب من كل شئ .